أحمد بن محمد القسطلاني

438

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

واتخذوها أوثانًا ، لعنهم النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومنع المسلمين عن مثل ذلك . فأمَّا من اتخذ مسجدًا في جوار صالح ، وقصد التبرك بالقرب منه ، لا للتعظيم ولا للتوجه إليه ، فلا يدخل في الوعيد المذكور . وقد ترجم المؤلّف ، قبل ثمانية أبواب ، بباب : ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور ، ويحتاج إلى الفرق بين الترجمين ، فقال ابن رشيد : الاتخاذ أعم من البناء ، فلذلك أفرده بالترجمة ، ولفظها يقتضي أن بعض الاتخاذ لا يكره ، فكأنه يفصل بين ما إذا ترتبت على الاتخاذ مفسدة أم لا . وقال الزين بن المنير : كأنه قصد بالترجمة الأولى اتخاذ المساجد لأجل القبور ، بحيث لولا تجدّد القبر ما اْتخذ المسجد ، وبهذه بناء المسجد في المقبرة على حدته ، لئلا يحتاج إلى الصلاة ، فيوجد مكان يصلّي فيه سوى المقبرة ، فلذلك نحا به منحى الجواز . اه - . قال في الفتح : والمنع من ذلك إنما هو حال خشية أن يصنع بالقبر كما صنع أولئك الذين لعنوا . وهذا الحديث مضى في باب : هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ؟ . 72 - باب مَنْ يَدْخُلُ قَبْرَ الْمَرْأَةِ ( باب من يدخل قبر المرأة ) لأجل إلحادها . 1342 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا هِلاَلُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - قَالَ : شَهِدْنَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَالِسٌ عَلَى الْقَبْرِ - فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ ، فَقَالَ : هَلْ فِيكُمْ مِنْ أَحَدٍ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ ؟ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ : أَنَا . فَقَالَ : فَانْزِلْ فِي قَبْرِهَا . قَالَ فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا فَقَبَرَهَا " . قَالَ ابْنُ مُبَارَكِ قَالَ فُلَيْحٌ : أُرَاهُ يَعْنِي الذَّنْبَ . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : { لِيَقْتَرِفُوا } أَي لِيَكْتَسِبُوا . وبه قال : ( حدّثنا محمد بن سنان ) العوقي ، بفتح الواو وبالقاف ، الباهلي البصري ( قال : حدّثنا فليح بن سليمان ) قال : الواقدي : اسمه عبد الملك ، وفليح ، لقب غلب عليه . وسقط : ابن سليمان ، عند أبي ذر ، قال : ( حدّثنا هلال بن علي ) هو : ابن أسامة العامري ( عن أنس ) هو : ابن مالك ( رضي الله عنه ، قال ) : ( شهدنا بنت رسول الله ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) ، أم كلثوم زوج عثمان بن عفان ( ورسول الله ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، جالس على ) جانب ( القبر ) - الجملة اسمية حالية ( فرأيت عينيه تدمعان ) بفتح الميم ، وفيه جواز البكاء حيث لا صياح ، ولا غيره . مما ينكر شرعًا ، كما سبق ( فقال ) : ( هل فيكم من أحد لم يقارف الليلة ) بالقاف والفاء ، أي : لم يجامع أهله ، ومثله في الكناية قوله تعالى : { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ } [ البقرة : 187 ] وقد كان من عادة أدب القرآن أن يكني عن الجماع باللمس لبشاعة التصريح ، فعكس ، فكني عن الجماع بالرفث ، وهو أبشع تقبيحًا لفعلهم لينزجروا عنه ، وكذلك كني في هذا الحديث عن المباح بالمحظور لصون جانب بنت الرسول عما ينبئ عن الأمر المستهجن ( فقال أبو طلحة ) زيد بن سهل الأنصاري : ( أنا ) لم أقارف الليلة ( قال ) عليه الصلاة والسلام : ( فأنزل في قبرها ) . ففيه : أنه لا ينزل الميت في قبره إلا الرجال متى وجدوا ، وإن كان الميت امرأة ، بخلاف النساء لضعفهن عن ذلك غالبًا ، ولأنه معلوم أنه كان لبنت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، محارم من النساء ، كفاطمة ، وغيرها . نعم ، يندب لهن كما في شرح المهذّب : أن يلين حمل المرأة من مغتسلها إلى النعش ، وتسليمها إلى من في القبر ، وحل ثيابها فيه . وقد كان عثمان أولى بذلك من أبي طلحة لأن الزوج أحق من غيره بمواراة زوجته ، وإن خالط غيرها تلك الليلة ، وإن لم يكن له حق في الصلاة ، لأن منظوره أكثر . لكن عثمان ، رضي الله عنه ، قارف تلك الليلة ، فباشر جارية له ، وبنت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - محتضرة ، فلم يعجبه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كونه شغل عن المحتضرة بذلك ، لصيانة جلالة محل ابنته ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ورضي عنها . قال ابن المنير : ففيه خصوصية . ( قال : فنزل ) أبو طلحة ( في قبرها ، فقبرها ) أي : لحدها . وسقط قوله : فقبرها ، عند الأصيلي ، وأبي ذر ، وابن عساكر . ( قال ابن مبارك ) عبد الله . ولأبي ذر : قال ابن المبارك ، بالتعريف أي : مما وصله الإسماعيلي : ( قال فليح ) يعني : ابن سليمان : ( أراه ) بضم الهمزة ، أي أظنه ( يعني ) بقوله : يقارف ( الذنب ) . لكن المرجح التفسير الأول ، ويؤيده ما في بعض الروايات بلفظ : لا يدخل القبر أحد قارف أهله البارحة . فتنحى عثمان ، رضي الله عنه ، وقد قال ابن حزم : معاذ الله أن يتبجح أبو طلحة عند رسول الله ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، بأنه لم يذنب تلك الليلة ، لكن أنكر الطحاوي تفسيره : بالجماع ، وقال : بل معناه : لم يقاول ، لأنهم كانوا يكرهون الحديث بعد العشاء . ( قال أبو عبد الله ) البخاري مؤيدًا لقول ابن المبارك ، عن فليح : ( { ليقترفوا } ) [ الأنعام : 113 ] معناه : ( أي ليكتسبوا ) . أو أراد المؤلّف بذلك توجيه الكلام المذكور ، وأن لفظ : المقارفة في